يحيى السهروردي ( شيخ اشراق )
237
مجموعه مصنفات شيخ اشراق
ولمّا كان لذة كلّ قوة على حسب كمالها ، فكمال الجوهر العاقل الانتقاش بالوجود - من لدن مسبّب الأسباب إلى أن ينتهي إلى الأخير من العوالم الثلاثة - والترتيب والنظام والمعاد وغير ذلك ؛ وباعتبار تصرّف البدن الهيئة الاستعلائية على البدن لينفعل البدن عنه ؛ و « العدالة » : التي عبارة عن الحكمة : وهي توسط القوة العملية فيما يدبّر به الحياة ولا يدبّر ؛ و « الشجاعة » : التي هي توسّط الغضبية ؛ و « العفة » : التي هي توسط الشهوانية ؛ وكمالها - بالجملة - التشبّه بالمبادئ على حسب الطّاقة ، حتى تتجرّد عن المادة بالكلية . فمدركاتها من الحق والجواهر العقلية وما يليها ، أشرف من مدركات المشاعر الأخرى بما لا يتقارب . ومدركاتها أكثر - إذ لا نهاية لمدركاتها دون الحواس - والزم - إذ هي باقية - وأشد فانّ الحواس مقصورة الإدراك على الظواهر والسطوح . فنسبة لذّتها إلى لذّة الحواسّ كنسبة المدركين والمدركين والإدراكين . وعدم الاشتياق إلى الكمال ، والتلذذ بالكمال حقّ التلذّذ ، إنّما هو لشواغل هيولانيّة وكذا عدم التألّم بالرّذائل . وإذا لم تستكمل النفس بالعلم والعمل فكانت بعد المفارقة كما كانت قبلها من الشوق إلى البدن ، إلّا أنّ الشاغل عن الألم ارتفع ، فعظم الألم سيّما إذا كان « الجهل مركّبا » : وهو عدم الاعتقاد بالحق واعتقاد نقيضه - وهذا لا يزول أبدا فتعذّب عذابا ما عذّب به أحد من العالمين . والنفس العالمة الفاسقة يجذبها العلم إلى الملأ الأعلى والجهل إلى أسفل السافلين ، فتعذّب زمانا وربما يزول . وقال بعض أهل البصيرة : إنّ البله والصلحاء المتزهدين المتنزهين تنتقل علاقتهم إلى جرم فلكيّ يرون فيه جميع الصور المطلوبة كما في الحس المشترك ، ويتلذذون على حسب المعتقدات لبقاء علاقتهم مع العالم الجرمي . ونفسي أنا تطمئن إلى هذا فإنّ من لم يتصور له العالم العقلي لا ينقطع له علاقة الجرم . وعندي منه نبأ عظيم أشرنا إلى بعضها في التلويحات « 1 » متفرّقا . وأشد مبتهج ومتلذّذ هو الحق الأول لأنّه أشد الأشياء إدراكا . هو أعظم مدرك وأعظم مدرك .
--> ( 1 ) التلويحات ، ص 82 - 94 وخاصة ص 89 .